السيد كمال الحيدري

30

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

( الثقافة القبلية والثقافة الحقِّية ) عادة ما ينتج ثورة عميقة في نفس القارئ ضدّ قبلياته ، أو يُحدث اهتزازاً عميقاً في أُسُسِها كقدر مُتيقّن ، وبالتالي فإنَّ المهامّ التفسيرية في ضوء المنظومة الثقافية الحقِّية بلحاظ المُفسِّر ستكون مُؤشّراً حقيقياً على ثبوت هذه السُّلَّمية القرآنية المعرفية التوجيهية . وأما إذا كانت الأزمة وليدة قصديات سالفة فإنَّ المنظومة الثقافية الحقِّية عادة ما تعجز عن التحكّم بالقارئ أو تغيير مساراته ، ولذلك فإنَّ القرآن الكريم سوف يلعب دوراً آخر ، شديد اللهجة حدِّي الخطاب ، وذلك من باب آخر الدواء الكيّ ، والهدف الأساسي من هذه المحاولة إلفات النظر وإتمام الحُجَّة ، حيث يكمن هذا العلاج الأخير في تكثيف التهديدات ، من قبيل قوله تعالى : وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالمُعْتَدِينَ ( الأنعام : 119 ) ، وقوله تعالى : . . . فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( الأنعام : 144 ) ، وأخيراً قوله تعالى : لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاء مَا يَزِرُونَ ( النحل : 25 ) . وأما إذا كانت الأزمة مُركَّبة من ضيق الفكرة وقلَّة المفردات وضعف الأدوات ، فهنا عادة ما يُقدِّم القرآن الكريم علاجات ثانوية ، تكمن في إلفات نظر المُفسِّر إلى أهمّية اتّباع العلم والمنهج الصحيح ، كقوله تعالى : وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا ( الإسراء : 36 ) ، وقوله تعالى : وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئاً ( النجم : 28 ) . وهنالك مهامّ تصويبية وارتقائية للقارئ المُتخصّص الذي لم يتقن أدواته التفسيرية ولم تتحكّم به قبليات أو قصديات ، حيث سيدرك من الكشف عن أسرار تضمّنها النصّ أنَّ طريقته كانت مُثلى ، وأنَّ ما انتهى إليه ليس خاتمة